السيسي استقبل نتنياهو سرا على مأدبة إفطار رمضاني     هل يمنع تناول الأسبرين يوميا إصابة النساء بالإيدز؟     واشنطن وأنقرة تبحثان إنهاء الأزمة.. هل الحل بإعادة القس؟     إلتزام وتوجيه مصري بإعادة ممتلكات المعدنين السودانيين     حملات لمكافحة الجرائم المرتبطة بالسلاح والاتجار بالبشر     السودان يدين التفجير الإرهابي بالأردن     مصفوفة موحدة للأولويات التنموية بولايات دارفور     إقصاء المهدي من نداء السودان .. فكرة تداعب خيال الثورية     تدشين مبادرة دارفور الكبرى لدعم ترشيح البشير     الخارجية تدعو لعقد اجتماع أفريقي أوروبي لدعم سلام جنوب السودان    

هل لزيادة غاز الكربون في الجو فوائد؟

يعلم الجميع المخاطر المنجرة عن تواصل زيادة الغازات الملوثة في الجو وخاصة منها غاز ثاني أكسيد الكربون، لكن لا أحد يعرف فوائد هذه الظاهرة عدا نخبة صغيرة من الخبراء والباحثين المتمسكين بموقف مناوئ لجهود الحد من انبعاث هذه الغازات؛ إذ يعتبر هؤلاء أن مساوئ هذا الارتفاع في تركيز الغاز الكربوني في الجو مبالغ فيها، وأن للظاهرة فوائد كثيرة. فما هذه “الفوائد” المزعومة، وما مدى مصداقيتها؟

سجل تركيز غاز ثاني أكسيد الكربون في الجو خلال شهر مايو/أيار الماضي ارتفاعا قياسيا ليبلغ 412 جزءا في المليون جزء، مقابل تركيز في حدود 387 قبل عشر سنوات فقط، وبزيادة 40% منذ بداية العصر الصناعي، وهو التركيز الأعلى خلال ثمانمئة ألف عام الماضية.

ورغم شبه الإجماع على المخاطر المناخية الناتجة عن هذا الارتفاع لما يسببه من زيادة في معدل درجات الحرارة على كوكبنا، وما ينجر عنه من تداعيات خطيرة تصل حد تهديد الحضارة الإنسانية بسبب ارتفاع مستويات البحار والمحيطات وزيادة الظواهر المناخية المتطرفة كالجفاف والأعاصير؛ فإن بعض الخبراء والباحثين لا يفتؤون يدافعون عن أهمية زيادة تركيز غاز ثاني أكسيد الكربون في الجو بالنسبة للحياة على الأرض وللبشرية بصفة خاصة.

من بين هؤلاء الخبراء عالم الجيولوجيا الأميركي غريغوري رايتستون، الأستاذ في جامعة بنسلفينيا الذي كرس أكثر من ثلاثة عقود لدراسة تاريخ التغيرات المناخية على الأرض من خلال تحليل الطبقات الجيولوجية.

يرى رايتستون أن هناك شيطنة لغاز أكسيد الكربون، فخلال أغلب فترات التاريخ كان تركيز هذا الغاز في الجو يفوق بأضعاف التركيز الحالي. فمنذ 150 مليون عام كان هذا التركيز يبلغ ألفي جزء من مليون جزء (خمسة أضعاف التركيز الحالي)، وشهد هذا التركيز تراجعا عاما ليتدنى خلال آخر فترة جليدية شهدتها الأرض (بين 120 ألف و10 آلاف عام قبل الميلاد) إلى حوالي 182، وهو مستوى خطير جدا يقترب من “خط الموت” الذي يقع عند 150 جزءا من مليون جزء وهو الحد الأدنى الضروري للحياة النباتية على الأرض.

يقول المناصرون إن مخاطر تدني تركيز هذا الغاز في الجو تفوق بكثير مخاطر ارتفاعه، وبدلا من الهلع لزيادة تركيز هذا الغاز في الجو كان من الأجدر الاعتراف بفضله على نمو الحياة على الأرض وعلى الإنسانية بصفة خاصة، فمن دون ظاهرة الدفيئة لم يكن بالإمكان أن تنمو النباتات أساس كل السلاسل الغذائية وأن تتطور الحضارة البشرية

ويقول رايتستون في مقال كتبه مؤخرا تحت عنوان “أنا أحب ثاني أكسيد الكربون وأنت كذلك عليك أن تحبه”: إن مخاطر تدني تركيز هذا الغاز في الجو تفوق بكثير مخاطر ارتفاعه، وبدلا من الهلع لزيادة تركيز هذا الغاز في الجو كان من الأجدر الاعتراف بفضله على نمو الحياة على الأرض وعلى الإنسانية بصفة خاصة، فمن دون ظاهرة الدفيئة لم يكن بالإمكان أن تنمو النباتات أساس كل السلاسل الغذائية وأن تتطور الحضارة البشرية.

نمو أسرع للنباتات
ولا يفوت رايتستون ومن يشاطره هذا الموقف الإشارة إلى أن العديد من الدراسات العلمية أكدت فوائد زيادة تركيز غاز ثاني أوكسيد الكربون في الجو على نمو النباتات، وخلصت إحداها إلى أن رفع مستويات غاز ثاني أكسيد الكربون بثلاثمئة جزء تؤدي إلى زيادة تتراوح بين 25% و50% من الكتلة الحيوية للنباتات، في حين أكدت دراسة نشرت في العام الفائت في دورية “نيتشر” أن معدل امتصاص النباتات لغاز أوكسيد الكربون قد ارتفع أكثر من 30% خلال العقود الفائتة.

ويقول مناصرو هذه الفكرة إن ذلك يعني زيادة في مردودية أكبر للنباتات في إنتاج الغذاء، وهو ما سيمثل عاملا مهما في مجابهة تزايد الحاجيات الغذائية للبشرية في المستقبل.

ويسوق هذا الفريق -الذي يطلق على ثاني أكسيد الكربون لقب “الجزيء السحري”- فوائد أخرى، منها: زيادة خصوبة التربة وخفض حاجة النباتات من الماء، إذ تؤدي زيادة تركيز هذا الغاز في الجو إلى تصغير حجم المسام التي تتعرق منها النبتة وبالتالي خفض كميات الماء التي تستمدها من التربة.

لذلك ستحافظ التربة بدورها على نسبة أعلى من الرطوبة، وهو ما ينعكس إيجابيا على نمو الغطاء النباتي على الأرض.

وهذا ما تؤكده وكالة الفضاء والطيران الأميركية -بحسب رايتستون- التي تقول إن 50% من سطح الكوكب يشهد حاليا نموا في الغطاء النباتي، وزيادة تركيز غاز ثاني أوكسيد الكربون هي من العوامل الرئيسية لذلك.

لا شك أن لغاز ثاني أوكسيد الكربون أهمية كبيرة من خلال بيت الدفيئة التي تحفظ الحرارة على سطح الكوكب، وهو ما ساهم في تطور الحياة على الأرض. لكن الفوائد التي يقدمها هذا الفريق لارتفاع نسبة غاز ثاني أكسيد الكربون ليست محل إجماع في الأوساط العلمية، ولا سيما تلك المتعلقة بأثرها الإيجابي المفترض على النباتات وبالتالي توفير مزيد من الغذاء لسكان الأرض في المستقبل.

فقد أكدت دراسة علمية نشرت في شهر أبريل/نيسان الماضي في دورية “ساينس” امتدت على العشرين عاما الماضية، أن تأثير زيادة تركيز غاز ثاني أوكسيد الكربون على نمو النباتات يبدو معقدا، ولا يمكن الاعتماد عليه لتوفير الغذاء في المستقبل.

توصلت دراسة علمية جديدة نشرت مؤخرا في دورية “ساينس أدفانسس” العلمية إلى نتائج تؤكد أن ارتفاع نسب غاز ثاني أوكسيد الكربون في الجو تؤدي إلى تدهور في القيمة الغذائية لبعض النباتات مثل الأرز

تدهور القيمة الغذائية
وكشفت نتائج الدراسة أن النباتات التي أظهرت رد فعل إيجابيا بزيادة كتلتها في العقد الأول من التجربة، شهدت انتكاسة في نموها خلال العقد الثاني من التجربة مع تواصل ارتفاع تركيز هذا الغاز في الجو.

كما توصلت دراسة علمية جديدة نشرت مؤخرا في دورية “ساينس أدفانسس” العلمية إلى نتائج مغايرة، تؤكد أن ارتفاع نسب غاز ثاني أكسيد الكربون في الجو تؤدي إلى تدهور في القيمة الغذائية لبعض النباتات مثل الأرز.

وأظهرت نتائج هذه الدراسة التي قام بها باحثون صينيون أن نسب بعض المعادن -مثل الحديد والمنغنيز وبعض الفيتامينات- في الأرز المستخرج من نباتات تم إنباتها في تركيزات عالية من أوكسيد الكربون، قد تراجعت بصفة ملموسة وبلغ هذا التراجع حدود 30% بالنسبة لفيتامين بي9.

بالنسبة لمؤشرات تغير نسبة تركيز غاز ثاني أوكسيد الكربون في الماضي، فهي تربط بالسلم الزمني للتغير. إذ يحبذ رايتستون ومن يسانده في رأيه الاعتماد على مؤشر تغير يمتد على مئات الملايين من السنين لأنه بكل بساطة يظهر تراجعا متواصلا في هذه النسبة.

في المقابل يعتمد الباحثون المناوئون لهم -الذين يرون في ارتفاع نسبة تركيز الغاز الكربوني في الجو خطرا مستقبليا يهدد البشرية- على مؤشرات التغير خلال فترات متوسطة (منذ ثمانمئة ألف عام) أو قصيرة (منذ بداية العصر الصناعي)، لأنها تبرز ارتفاعا غير مسبوق لهذا الغاز في الجو.

ولئن كانت وجهة النظر الثانية الأكثر قبولا في الأوساط العلمية، فإن حقيقة الأشياء ما زالت غائبة في جزء كبير منها عن الباحثين. ولا أحد يعلم الحقيقة بشكل يقيني، وقد لا تكون وجهتا النظر السابقتان أكثر من رؤية للحقيقة أو لجزء منها من زوايا مختلفة.

المصدر : الجزيرة







اقرأ أيضاً